محمد كرد علي
109
خطط الشام
عامرة لعهد واضعها ، ولا يزال القسم الأعظم منها بحاله لم يصب بأذى الأيام . وآثار الفسيفساء كثيرة مبعثرة في دور مادبا لم تزل على بريقها ، وفي دار سليم الصناع في مادبا بركة ماء معمولة بالفسيفساء الملونة أيضا تخال ما فيها ماء حقيقيا وعلى جوانبها الثلاثة الباقية رسوم بالفسيفساء تمثل الحيوانات والطيور البرية والداجنة ، تسرح في جنينة زاهرة والطيور المائية واقفة في وسط الماء على آنية تشبه الزهرية ، وفي كل زاوية من زواياها صورة إنسان تخالف الأخرى . وفي هذه البليدة عدة قاعات فرشت أرضها بالفسيفساء يطلق الماء عليها لتغسل كما يغسل بلاط القاعات وأفنية الدور . قال في مسالك الأمصار : والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق ومن هذا النوع المسحور ( المسجور ) وأما الملون فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان ( 740 - 750 ) شيء كثير برسم الجامع الأموي وحصل منه عدة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة وعمل منه قبل للجامع التنكزي ما على جهة المحراب ، غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر ، والفرق بين الجديد والقديم أن القديم قطعه متناسقة على مقدار واحد والجديد قطعه مختلفة وبهذا يعرف الجديد والقديم ا ه . ووصف ابن فضل اللّه هذا يمكن أن يستنتج منه أن الفسيفساء كانت تعمل في الشام ، وأن هذه الصناعة اللطيفة وإن اختصت بها القسطنطينية قد نقلت إلى الشام وجوّد عملها . وكان الوليد بن عبد الملك يحمل الفسيفساء على البريد من القسطنطينية إلى دمشق حتى صفح بها حيطان المسجد الجامع ومكة والمدينة . وكانت الفسيفساء في الجامع الأموي قبل حريقه الأول في القرن الرابع ملونة مذهبة تحوي صور أشجار وأمصار وكتابات ، على غاية الحسن والدقة ولطافة الصنعة ، وقلّ شجرة أو بلد مذكور إلا وقد مثل على تلك الحيطان قاله المقدسي وقال غيره : إنه مثلث في صور الجامع صفات البلاد والقرى وما فيهما من العجائب وأن الكعبة المشرفة صوّرت فوق المحراب كما قال فيه بعض المحدثين : إذا تفكرت في الفصوص وما * فيها تيقنت حذق واضعها أشجارها لا تزال مثمرة * لا ترهب الريح في مدافعها كأنها من زمرد غرست * في أرض تبر يغشى بفاقعها